الشيخ محمد علي طه الدرة

280

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) الشرح : ما نَنْسَخْ : النّسخ في اللغة : إزالة الصّورة عن الشيء ، وإثباتها في غيره ، وفي الشرع : انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي ، فكان تبديلا في حقّنا ، بيانا في حقّ صاحب الشّرع . وسبب نزول هذه الآية : أن اليهود قالوا : إنّ محمدا يأمر أصحابه بأمر ، ثم ينهاهم عنه ، ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولا ، ويرجع عنه غدا ، ما يقول إلّا من تلقاء نفسه ، كما أخبر اللّه عنهم بقوله : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ رقم [ 101 ] من سورة ( النّحل ) ، فأنزل اللّه ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ فبيّن بهذه الآية وجه الحكمة في النّسخ ، وأنّه من عنده لا من عند محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . هذا ؛ وبعض المفسرين يقول : إن المشركين في مكّة هم الذين عابوا النّسخ ، وطعنوا فيه . وهذا غير وجيه ؛ لأن مكّة لم يحصل فيها نسخ ، ولا تبديل ، ولا تغيير ، والسبب في ذلك : أنّ مكة لم تنزل فيها آيات الأحكام ، ومهمّة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة كانت مقصورة على التّوحيد ، والإيمان بالبعث ، والنشر ، والحساب ، والجزاء . واليهود أنكروا النّسخ كفرا ، وعنادا ، فإنه ليس في العقل ما يدلّ على امتناع النّسخ في أحكام اللّه تعالى ، كما أنه يفعل ما يريد ، ولا يسأل عما يفعل مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدّمة ، وشرائعه الماضية ، كما أحلّ لآدم عليه السّلام تزويج بناته من بنيه ، ثمّ حرم ذلك بشريعة نوح ، وكما أباح لنوح عليه السّلام بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ، ثمّ نسخ بعضها ، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل ، وبنيه ، ثم حرّم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها ، وأمر إبراهيم - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - بذبح ولده ، ثم نسخه قبل الفعل ، وهم يعترفون بذلك ، ويصدفون عنه ، عليهم لعائن اللّه في الدنيا والآخرة ! هذا والنّسخ على أنواع : منها نسخ الأثقل إلى الأخف ، كآية المصابرة المذكورة في سورة الأنفال رقم [ 66 ] : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فإنّها نسخت حكم ما قبلها ، وكالذي كان على المؤمنين من نسخ قيام اللّيل ، كما هو في آخر سورة المزمّل ، ومنها نسخ الأخف إلى الأثقل ، والأكمل في الثواب ، والأجر ، كالذي كان على المسلمين من صيام أيام معدودات في كلّ شهر ، وصيام يوم عاشوراء ، فنسخ ذلك بفريضة صيام رمضان ، ونسخ المثل بمثله ثقلا وخفة ، كنسخ التوجّه إلى بيت المقدس ، وصرفه إلى المسجد الحرام ، وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى كما رأيت في سورة المجادلة رقم [ 12 ] 13 - وينسخ القرآن بالقرآن اتفاقا ، وينسخ القرآن بالسّنة ، كما في آية الوصية للأقربين رقم [ 180 ] الآتية ، فإنها منسوخة بقول